الثقة العلمية: عالية جداً
تقف في قلب نفق مائي شعري منحنٍ، يشقّ طريقه بين جدارين من الكوارتز الشفاف كالماء، تعلو كل منهما كجُرفٍ بلوري مهيب تتكسّر على سطحه أشعة الضوء إلى شظايا طيفية باردة. عند طرفَي النفق، تنتصب الأسطح المنحنية لتوتر الشعيري كمرايا مقعّرة تتوهّج بياضًا قاطعًا وتغمر الممرّ بإضاءة شبه جراحية، تتلاشى تدريجيًا نحو عتمة أوكرية عميقة في المنتصف، حيث تتخلّل جدران المعدن طبقةٌ حيّة من الغشاء البكتيري الحيوي تبرق بتدرّجات البرونز والبنفسجي والأزرق المائي في لعبة بنيوية مع الضوء المنعكس. أما الخيوط الفطرية البيضاء الشفّافة فتمتدّ فوقك كأعمدة تعليق هندسية بين الوجهين الكوارتزيتين، عقدُ تفرّعها تلمع كأثرياء الثريات في الظلام، في حين أن جسمك الأسطواني الشفاف — بجهازه الهضمي الكهرماني المتوهّج وطبقته الخارجية المحلّقة بتضاريس الأخدود الدقيق — ينعكس في سطح فيلم الماء الذي يحمل بالكاد ثقلك، إذ إن قوة التوتر السطحي لا الجاذبيةُ هي ما يصنع هنا شكل العالم وحدوده.
تجد نفسك معلقاً في قلب حجرة الطحن الثلاثية الأشعة للبصلة البلعومية الأمامية، وهي فضاء لا يتجاوز أربعين ميكروميتراً في قطره، غير أنه يبدو لحواسك المُحوَّلة كبهو كنسيٍّ شاهق الأقواس، تنبثق جدرانه المقوسة من كل حدب وصوب. ثلاثة ألواح طاحنة من الكيوتيكل الكثيف الإلكتروني تنغلق إلى الداخل على طول درزاتها الشعاعية، وهي أسافين عنبرية اللون عاجية الظل، حوافها المشطوفة تكسر الضوء الدافئ إلى هالات تداخل رقيقة بلون القرن العتيق، بينما يُزاح السائل البلعومي بعنف فتنبثق منه أقواس لزجة تتمايل كالزجاج المُسخَّن. ما حولك من حطام بكتيري مبعثر — أشباح قضيبية شفافة وأغشية مُتفجِّرة لا تزال تحتفظ بلون الفسفولبيدات الأزرق عند حوافها — يتساقط في تعليق كسول وسط سائل أصفر ضبابي بالبروتينات الذائبة، فيما تنجرف قطيرات دهنية ذهبية كروية الشكل تعمل كعدسات مُصغَّرة تعكس صورة الألواح المقابلة. تعلوك حزم العضلات المخططة كأضلاع قبة رومانسكية، تشع خيوطها السيتوبلازمية الشفافة بلمعان فضي-أزرق حين تتوافق شبكات الأكتين والميوزين، ثم تخبو إلى وردي دافئ حين ترتخي، في حين يضغط الفضاء الكاذب التجويفي من وراء الجدران الشفافة بهدوء هيدروليكي يبقي هذه الآلة الدقيقة مشدودة ومحكمة في مواجهة عنف سكتاتها المتواصلة.
تنظر العين من أسفل قمة حبة رمل كوارتز ضخمة ذات أوجه متعددة، محطمة الحواف كالزجاج المكسور، نحو يرقة داور واقفة في شموخ مذهل على طرف ذيلها، جسدها شبه الشفاف يرتفع كبرج كهرماني فوق حافة تبدو للناظر إليها كحافة جرف صخري أو دعامة كاتدرائية عتيقة. الغلاف الخارجي المتصلب للدور، المتجعد بحلقات دقيقة تلتقط الضوء الجانبي الخافت، يضفي على الجسم بريقاً ذهبياً دافئاً، بينما تُرى من خلال جدار الجسم الشفاف قطرات دهنية كبيرة بيضاء كرية الشكل كأنها لآلئ معلقة في الراتنج، تكشف عن احتياطيات طاقة تُعيّش اليرقة خلال رحلتها الطويلة في الانتشار دون أكل ودون شرب. يسود هذا الكائن عالم تحكمه التوترات السطحية والكثافة اللزجة لا الجاذبية، إذ تشكل أغشية الماء الرقيقة المحيطة بحبات التربة ممراته الطبيعية. في أعماق المشهد تحت الحبة، تتلاشى التفاصيل في ضباب دافئ من ألوان الأُخرة والعنبر، تتخلله خيوط الفطريات البيضاء الرفيعة ممتدة بين كتل المعادن كأسلاك معلقة في الضباب، مشهد يقول دون كلام إن ثمة عالماً حياً كاملاً يعيش ويتنفس تحت أقدامنا في كل لحظة.
تحوم على بُعد ميكرونات قليلة من الجدار المنحني للقشرة البيضية، فيملأ هذا الغلاف المضيء مجالَ رؤيتك بالكامل كما يملأ وجهُ جبل جليدي منير أفقَ الناظر إليه من مسافة ضئيلة. الغلاف الكيتيني الشفاف شفافيةً حليبية ينثر الضوء الساقط في تألق أبيض مزرق بارد، بينما تشقّ ألياف البوليساكاريد المضغوطة سطحَه بشبكة سداسية خافتة تتموج بألوان النيلج والفضة كلما تحولت الضغوط الداخلية للجنين. وراء هذا الحاجز الشفيف، تتلاصق الخلايا الأولية الأربع — البلاستوميرات — في ترتيب رباعي السطوح شبه بلوري، كلٌّ منها كرة شاسعة تحشوها حبيبات المُح الذهبي-الأصفر المشعة بدفء عنبري يتسرب عبر القشرة في هالات ذهبية خافتة. في قلب كل بلاستوميرة يتعلق نواةٌ كروية زرقاء قطبية تنبض فيها النوية كنجمة صغيرة باردة، فيما تمتد بين بلاستوميرتين خيوطُ المغزل الانقسامي كأسلاك فضية تشدّ الكتل الكروموسومية في توتر مؤقت قبل أن تتفكك في صمت. يُحكم النسيج الرحمي الوردي-المرجاني إطارَه على هذه البيضة من كل جانب، بينما يملأ السائل المحيط بالمُح الفراغَ بصفاء بصري مثالي يُحوّل كل تفصيلة في هذا العالم المغلق الضاغط إلى مشهد حاد التفاصيل ومكثّف الدقة.
تمتد أمامك سهول متموجة لا نهاية لها، تتعاقب فيها حواف الحلقات الجلدية كموجات رملية متجمدة في الزمن، وهي تتراوح بين الذهبي الدافئ عند قممها المستديرة والرصاصي الداكن في قيعان الأخاديد التي تغرق في ظلال حادة قاطعة. هذه البنية ليست مجرد سطح، بل هي جدار خارجي يُشكّل مصفوفة خارج خلوية معقدة متعددة الطبقات تُفرزها الأدمة، تمنح الدودة الخيطية صلابتها الهيدروستاتيكية وتحميها من ضغوط البيئة المحيطة في عالم تهيمن فيه الشد السطحي على كل حركة. على اليسار، يرتفع التلال الطولية الجانبية كسلسلة جبلية ذات سفوح شبه رأسية، تلقي بظلالها السوداء الصارمة عبر الأودية، لتُجسّد البروزات الهيكلية التي ترافق اندفاع العصب الجانبي وخطوط تعلق العضلات تحت السطح. قريبًا من الأفق الأمامي، تطلع حُلمات الأعضاء الحسية الرأسية كقباب صامتة ضخمة، ملساء تقريبًا، تختزن في مسامها المركزية الوحيدة بريقًا وهاجًا يُلمّح إلى نهايات خلايا عصبية دقيقة ترصد الكيمياء والملمس في الوسط المحيط. الكون بأسره لا نسيم فيه ولا غلاف جوي يُلطّف حوافه، مجرد هندسة سطح مطلقة الدقة تكشفها زاوية ضوء كاسحة، مُذكِّرةً بأن ما يبدو منظرًا طبيعيًا شاسعًا ليس في حقيقته سوى مليمترات معدودة من جسد حي.
تقف عند أقصى طرف أمامي من جسد الديدان الخيطية، تحدق في بساط كثيف من قضبان *E. coli* تمتد حتى حافة الإدراك كغابة بدائية لا نهاية لها، كل خلية منها ظل داكن مرن يتشرب الضوء الأبيض الباهر المنبثق من أسفل الجيلات الشفافة التي تُشكّل أرضية هذا العالم الغريب. خلفك، شقّت حركتك الجسينوسية ممرًا متعرجًا عبر الحشد البكتيري، ممرًا ذا جدران حادة تلمع بحوافٍ زرقاء-بيضاء تحت التشريح الضوئي، بينما تبدأ الخلايا في الزحف من الأطراف لملء هذا الفراغ المنحوت من جديد، فتتحول المسارات القديمة إلى ضباب بقعي خفيف يكسو سطح الجيل. في مقدمة المشهد، يدفع جهاز البلعوم بلا هوادة: الميزمة الطرفية تنقبض وتنبسط بإيقاع لا يهدأ، تسحب الخلايا البكتيرية الواحدة تلو الأخرى عبر التجويف الفموي وتطحنها، فيتراكم اللون البني-البرتقالي تدريجيًا في الأمعاء كنهر ذهبي يتشكّل خلف سطح شفاف يُحيط بالجسم كله. هذا ليس تربةً ولا ماءً بالمعنى الكلاسيكي — إنه مشهد يُملي فيه توتر السطح قوانينه على كل حركة، ولا يُقرأ فيه ثقل الجاذبية، بل يقتصر الوجود كله على منعطفات عضلية دقيقة تُرسم في جغرافيا الميكروب بخط يد كل دودة منفردة.
في أعماق الفراغ الكاذب الجوفي، تجد نفسك معلقاً على بُعد أقل من عشرة ميكرومترات من جدار البلعوم — تلك العمود الشاهق من العضلات المخططة التي تتصاعد أمامك كجرف جليدي منحوت بحواف طولية دقيقة وتموجات عرضية تعكس الوهج المتشعشع من كل جانب، فيما تتكشف تحتها شبكة الكولاجين كشبح هندسي خافت تحت الأدمة الشفافة. يُحيط بهذا المحور المركزي الحلقةُ العصبية المحيطة بالمريء — إكليل حي من النيروبيل لا يتجاوز عرضه عشرين ميكروميتراً، بيد أنه يحتشد بتعقيد يبدو قارياً من هذا الموقع: خيوط سيانية فاترة لعصبونات حسية الأمفيد تتشابك بين حزم المحاور المضغوطة، فيما تنبض خيوط أرجوانية قانية لعصبونات وصل تحت سطح الإدراك مباشرة، ويُضيء كل شرارة بيضاء منفجرة حزمةَ حويصلات متشابكة انصهرت عند تقاطعات كالمستعرات الخارقة. خلفك، السائل الكاذب الجوفي فضاء بصري صافٍ كالفضاء بين النجوم، فيما تمتد الظلمة المطلقة في كل ما يتجاوز الحلقة — تلك الحلقة الوحيدة التي تُضيء، تلك الدائرة الوحيدة التي تحترق بهدوء في ليل دائم، وهي تحمل في ما لا يُرى بالعين المجردة الخرائطَ الكاملة لحياة الدودة ووجهتها.
في هذا المكان الذي يقع في قلب الجذر الحي، تنتصب جدران السليلوز الشاحبة كأعمدة كاتدرائية مغمورة بالضوء الزمردي الرقيق، تتقاطع حوافها في أقواس متلاصقة تتلاشى تدريجياً في عمق المشهد المضاء من الأعلى. يضغط الطور اليرقي للديدان الثعبانية بأبرته الدقيقة على ملتقى جدارين مكثّفَين، وجسمه أنبوب شفاف متوتر مكسوّ ببريق بارد، بينما يعمل الخنجر البروتيني في تحويل خلايا النبات إلى مصانع بيولوجية تحت سيطرته. الخلية العملاقة المتحوّلة تشغل حيزاً كاملاً خلف الجدار كقاعة مليئة بسيتوبلازم أخضر ضبابي تعوم فيه أنوية كالأقمار المنتفخة ذات الأغلفة الملتوية، وهو مشهد يعكس الاستيلاء الكامل الذي تمارسه الديدان على الآلية الأيضية للنبات. في العمق الخلفي تتوهج أوعية الخشب بضوء عنبري دافئ يتعمق نحو الصدأ في أبعد الممرات، فيما تنتشر هالة زمردية باردة من الخلايا الغنية بالبلاستيدات الخضراء في الأعلى لتنتقل عبر طبقة تلو طبقة من المياه الفجوية حتى تصل هنا مبعثرة لطيفة على كل سطح رطب يلمسها.
تجد نفسك معلقاً في قلب كاتدرائية من الخيوط الحية، محاصراً بشبكة من الهيفات الفطرية الشفافة التي تمتد في كل اتجاه كأنابيب ضخمة مضغوطة، تسبح في ضوء عنبري آسر يتسرب من أعلى عبر طبقات أوراق الشجر المتحللة كأنها نوافذ ملونة تحول ضوء الشمس إلى توهج داكن يشبه لون الويسكي العتيق. أمامك مباشرةً، يضغط الدوديّ الخيطي بأنفه المدرّع بحلقات قرنية على جدار الهيفة، وقد اخترق إبرته الجوفاء الصلبة جدارها في طعنة دقيقة، فانسحب السيتوبلازم الداخلي بعيداً عن موضع الجرح في موجة شحوب مرئية تتراجع عنها الحُبيبات المتدفقة كأنها تتجنب الخطر. عند نقاط التحام الهيفات في عمق المشهد، تنبض تقاطعات الأنستوموز بوهج أدفأ يميل نحو البرتقالي، حيث تتشارك الخيوط جسوراً سيتوبلازمية في نشاط أيضي مشترك. أليافُ السليلوز المتحللة تنسج في الخلفية شبكة معمارية من الكريمي والبيج الشفاف، تحبس فيما بينها أغشية مائية رقيقة تلتقط الضوء في خطوط منحنية مضيئة، تكشف هندسة قوى الشعرية التي تحكم كل ممر وتضبط كل حركة في هذا العالم الذي لا سلطة فيه للجاذبية بل للتوتر السطحي واللزوجة.
تتحرك عبر المساحات الخلالية الضيقة بين حبيبات الرمل الساحلي، محاصراً في ممر من المياه البحرية المالحة ذات اللون الأزرق الرمادي، حيث تبدو حبيبات السيليكا العملاقة كجبال لامعة ضخمة تتراص فوقك وحولك وتكاد تسحق كل الفضاء الحر. تتخلل هذه الفراغات هياكل الدياتوم الزجاجية البيوجينية، إذ تنغرز بين الحبيبات كأبراج كاتدرائيات من الكريستال الذهبي الشفاف، هياكلها السطحية الدقيقة المتمثلة في صفوف النقاط وأحزمة التكامل الدقيقة تعكس الضوء الخافت في هالات عنبرية لا تشبه أي بنية أخرى تعرفها. يغطي أسطح الحبيبات الناعمة غشاء حيوي مبهر من البكتيريا الكبريتية يتموج بألوان تتحول بين الأرجواني والوردي المغنتي، وهو لون تداخلي ينشأ من تراص الأغشية البكتيرية بعضها فوق بعض لتصبح الحبيبات ذاتها كأنها أجرام سماوية تتنفس. يشق ديدان نيماتودا البحرية مسلحة الجسم بحلقات مزينة بجسيمات رسوبية دقيقة وشظايا دياتوم تلتصق بثنياتها القشرية طريقها عبر هذا الممر بموجة عضلية جيبية بطيئة محكمة، وهي تعمل في نظام بقيم رينولدز منخفضة للغاية حيث تسود اللزوجة ولا معنى للقصور الذاتي، بينما تعلو في الخلفية اليمنى قوقعة أبيض كريمي لحيوان مثقبة تتكوم طبقاتها الكلسية المتصاعدة كصحن قوطي شاهق تفتح أقواسه على أعماق مظلمة داخلية.
تحوم في الفضاء المطلق حول جسد يبلغ طوله نحو ملليمتر واحد، لكنه في هذا المقياس يمتد أمامك كأفق مضيء لمدينة ليلية شاسعة، منحنٍ في شكل موجة جيبية أنيقة تتلوى من الرأس إلى الذيل. لا توجد هنا شمس ولا مصدر ضوء خارجي؛ فكل فوتون ينبثق من الجسد نفسه — تُضيء حزم العضلات الجدارية باللون القرمزي العميق وخطوط القُسيّمات العضلية الداخلية تشكّل أنماطاً موارية كأضلاع كاتدرائية متوهجة، فيما يجري الأمعاء في محور الجسم كأنبوب فيبر بصري مشبع باللون الزمردي، مليء بحبيبات متدفقة تتوهج بالفلورة الذاتية كزيت فسفوري متحرك. عند الطرف الأمامي تبرز البلعومية بلونها الأصفر-أخضر محاطةً بتاج من النقاط العصبية الزرقاء الزنبقية التي تُشكّل حلقة العصب كهالة من الضوء الجليدي، بينما ترقد الأجنة في الرحم كلآلئ شاحبة تتكشّف خلاياها في أضواء زرقاء-بيضاء. هذا الجسد الشفاف الهائل في صغره المطلق هو نتاج هندسة بيولوجية بالغة الدقة: أسطوانة هيدروستاتيكية مضغوطة يبلغ قطرها سبعين ميكروناً، يحكمها ضغط داخلي وبنية جلدية متعددة الطبقات، تتحرك بموجات عضلية تتردد بنحو عشر مرات في الثانية عبر وسط كثيف تسيطر عليه اللزوجة وتوتر السطح، لا الجاذبية.
تقف على عتبة هاوية حية — الفوهة البلعومية لديدانة مفترسة من جنس *Mononchus*، تنفتح أمامك كما تنفتح قاعة كاتدرائية منحوتة من الكهرمان الحي. السن الظهرية المنحنية تنتصب في مواجهتك كقوس بازلتي أحادي، يتألق سطحها المتصلّب بانعكاسات تتدرج بين البني الأحمر الداكن والعنبر المحروق، فيما تنتظم المسنّات العاجية الصغيرة في حلقات شعاعية تتراجع نحو جوف الحلق المظلم حيث التجويف ثلاثي الأشعة يتمدد ويتقلص بنبض طاحن. هذه ليدودة صغيرة — كيان حي لا يتجاوز الملليمتر — لكنها في هذا السياق المقرّب تغدو آلة بيولوجية كاملة البنى: إطار هيدروستاتيكي، عضلات متقابلة، جهاز هضمي في طور الامتلاء. جسد الفريسة، فريسة بكتيرية أصغر حجمًا، يتجعد ويُضغط تحت قوة الشفط، وتكشف جدرانه الشفافة المتشققة عن أعضائه الداخلية في لحظتها الأخيرة: البلعوم كتلة داكنة كثيفة، والمعي يُشعّ بحبيبات فلورية ذهبية من داخله، كأنه يحتفظ بجذوة من الدفء قبل أن يطفئها الظلام الآتي من أعماق الحلق. الخلفية من طين التربة وحبيباتها المضغوطة لا تُذكّرك إلا بواقع هذا العالم: مشهد الافتراس هنا عادي، متكرر، لا مرئي، يدور في السنتيمتر الأعلى من طبقة الأرض في كل لحظة.
تقف على أرضية صامتة من الطين البحري العميق، مادة ناعمة كالحرير المطحون، شاحبة كعظم عتيق يمتد في كل اتجاه كصحراء قطبية لا أفق لها، وسطحها الشمعي اللامع يكشف عن طبيعة المعادن الطينية التي تضغطت حتى صارت جلداً فوق الرسوبيات. تنتصب حولك أصداف الفورامينيفيرا كأبراج كلسية مجوفة، غرفها الشعاعية كأروقة كاتدرائيات خاوية يخترق جدرانها الماء المتجمد القادم من القاع، بينما تتناثر الأبرة الزجاجية للإسفنج السيليسي كأبراج راديو مطروحة على الأرض، تنعكس على أسطحها أشعة الضوء الأزرق الشاحب في وميض بريزمي خافت. فوقك بعيداً، تهبط تجمعات الثلج البحري بإبطاء مذهل من العمق المظلم للعمود المائي، كل كتلة منها شبكة رخوة من هياكل الدياتومات السيليسية ومواد برازية وخيوط مخاطية تتسلل خلال الفراغ الأزرق الغارق في الظلمة وكأنها كائنات طافية من عالم آخر. جسدك الأسطواني الشاحب يرتجف في موجة جيبية بطيئة لا تكاد تُرى إلا إذا أمضيت دهراً في المراقبة، وعضوا الأمفيد الكبيران في مقدمتك — كوعاءين مقعرين تستشعر بهما الجزيئات العضوية المتسربة من أقرب كتلة ثلج — يمسحان الماء بصبر لا نهاية له، في صمت مطبق يقيس فيه الزمن بالتعفن البطيء للمادة القادمة من السطح على عمق كيلومترين.
في أعماق جسر مائي لا يتجاوز عرضه سُمك خيط واحد، نجد أنفسنا معلّقين تحت قبة مينيسكوس تنحني فوقنا كأنها فقاعة صابون مضغوطة بين حبات التراب، وسطحها المشدود بقوى التوتر السطحي يتحول إلى مرآة محدبة بصرية بديعة تعكس المشهد الكامل للتربة المحيطة مشوّهًا في انحناء عين السمكة — صخور عنبر المعدن، وخيوط عضوية داكنة، ووجوه كوارتز شاحبة، كل ذلك مطوي في بانوراما واحدة ترتجف بكل اهتزاز جزيئي يمر عبر السائل. ثلاثة أطوار تلتقي عند تلك الحافة المضيئة — الماء والهواء وسطح حبة المعدن — لتحرق خطًّا إيريديسنتيًا ذهبيًا يعلو إلى أبيض في ذروته ثم ينسرب في نحاسي وورديّ، وهو يلف جسم الديدان الخيطية في هالة متصلة حيث تلامس الكيوتيكل المسنّنة بحلقاتها الدقيقة حدود الماء نفسه. الماء الذي نعوم فيه ليس شفافًا بل أصفر-بني داكن كشاي قديم محتفظ به في ضوء العصر، إذ تصبغه الأحماض الهيوميكية المذابة من دبال الأوراق المتحلّلة في صميم كل ملليمتر مكعب، بينما تشق صفيحات الكاولينيت والإيليت بأحجامها النانومترية مسارات عشوائية بطيئة في الوسط، كلٌّ منها يلمع فضةً ثم تصدأ ثم تتوهج ذهبًا صدئًا كلما دارت في الحركة البراونية التي لا تتوقف. وبعيدًا عن المرآة فوقنا، لا توجد سماء ولا أفق، بل غياهب عنبرية ضبابية تذوب فيها حدة الضوء المتناثر بين الحبيبات، حيث الثقل لا معنى له هنا ويهيمن التوتر السطحي واللزوجة على كل حركة في عالم تصرّفه قوانين مختلفة تمامًا.
تقف عند الحافة المضيئة لعالم لا تكاد تدركه العين المجردة، وأمامك الطرف الأمامي لدودة خيطية يملأ مجال رؤيتك بالكامل كما تملأ واجهة كهف بحري أفق المُحدِّق فيه من مسافة صفر: ثلاثة شفاه ناعمة مستديرة تُحيط بالفوهة الفموية كحجارة رخامية شفافة مُحفورة بحُزم حلقية دقيقة تتراوح فجواتها في نطاق الميكرونات، تعكس الضوء المتناثر في وميض لؤلؤي يتدرج بين الكريمي والذهبي الفاتح. على الجانب الخارجي لهذا المشهد، ينفتح مسام الأمفيد كشقٍّ هلالي الشكل غائر قليلاً في السطح الجانبي للجلد الخارجي، مملوء بسائل زجاجي الظهور يحبسه انحناء غشاء الخلايا الغلافية كماء محتجز في حوض من حجر السوبس الأصقل، ومن أعماق هذه القناة يمكنك أن تستشف اثني عشر امتداداً هُدبياً متوازياً — هوائيات كيميائية رفيعة بالغة الدقة تحمل في أطرافها أغشية مستقبلية مطوية تلتقط الإشارات الجزيئية وتصدر بريقاً داخلياً شاحباً أزرق-أبيض يشبه جمرة متعشقة بالضوء. أما البيئة الكيميائية المحيطة فلا تظل خفية في هذا النطاق؛ إذ تتجلى تدرجات المواد الذائبة في الغشاء المائي الرقيق المغلِّف لكل شيء كتطيُّف لوني بطيء يبدأ بالسيان العميق المشبع قرب مصدر جاذب خارج الإطار، ثم يتحول عبر الأخضر المائي والمرجاني حتى يستقر في هالة كهرمانية دافئة تُجسّد مناطق الكره الكيميائي — وهذا التدرج الكروماتي ليس مجرد جمال مرئي بل هو الوصف الحرفي لكيفية "رؤية" الجهاز العصبي المؤلف من ثلاثمئة وواحد ودبسين خلية عصبية فقط للعالَم من حوله، مُحوِّلاً تركيز الجزيئات إلى قرارات الاقتراب أو الهرب.
تجد نفسك معلقًا في قلب زغابة معوية مُضاءة بضوء أحمر قانٍ، وقد اخترق الكبسول الفموي للدودة الخطافية حجاب النسيج الضام كما يخترق الحصار سور مدينة هشة، فتتناثر من الشعيرات الدموية المتمزقة تدفقات من الكريات الحمراء ثنائية التحدب، كل كُريّة قرص شفاف ناعم يتوهج باللون القرمزي في التيار الدافئ وهو يُمتص نحو تجويف الدودة في نبض منتظم يرتسم من خلف جدار جسمها الشفاف كخيط دم مظلم يسري في أنبوب. فوقك يمتد سقف الحدود الفرشاتية لخلايا الظهارة الأسطوانية كرصيف من البازلت الرطب، كل زغبة صغيرة ألياف شبه شفافة متراصة كتراص الحصى، تشتت الضوء الكهرماني في تضاريس متموجة من المخطط العسلي. عند هامش الجرح تتكاثر الحمضات كصخور مستديرة محشوة بحبيبات سالمونية محتدمة كيميائياً، وبين حين وآخر تنفجر خلية بدينة فتنطلق سحب الحبيبات القاعصة بنفسجية سوداء كحبر يذوب في الماء الساخن. كل شيء هنا رطب ومقوّس ومضغوط بحرارة حيوية خافتة، لا هندسة صلبة بل اللحم في أقصى حالات صراعه الصامت، وأنت عالق بين فعل الافتراس ورد فعل الجسد.