داخل غلاف فيروس الهربس
Viruses

داخل غلاف فيروس الهربس

تجد نفسك محاصراً في قلب صمتٍ مكتظٍّ بالحياة، معلقاً في المصفوفة البروتينية للطبقة التيغومينية لفيروس الهربس البسيط، بين جدارين منحنيين شاسعين يحكمان عليك بالانحصار التام. على يسارك، يرتفع الغلاف القفيصي العشروني الوجوه كجرفٍ جيولوجي صنعه الفيزياء لا الطبيعة، بوجوهٍ مثلثية زرقاء داكنة تنحني صعوداً وتختفي في العتمة، بينما تبرز قمم البنتاميرات كعقدٍ بلورية صماء تشعّ ببريقٍ باردٍ وخافتٍ يعرّي الهندسة المتناظرة لبنيةٍ أنجزتها التطور منذ ملايين السنين. وعلى يمينك، تتموّج الطبقة الدهنية الثنائية للغلاف كأفقٍ ذهبيٍّ محترق، ولا يفصلك عنها سوى أربعين نانومتراً، غير أنها تلوح كحدٍّ كونيٍّ بعيد، حيث تتأرجح سيقان البروتينات السكرية المثبّتة في وجهها الداخلي كنباتاتٍ بحريةٍ تستجيب لتيارٍ لا يُرى. بين هذين العالمين، تضغط عليك كتلٌ بروتينية غير منتظمة الشكل، هي جزيئات VP16 وUL36، في ألوانٍ رمادية بنفسجية وبنفسجٍ مترّب، سطوحها لامعةٌ بماءٍ مرتبط، حدودها تذوب حيث تتلاقى التماسات الكارهة للماء لتجعل كل جزيء يندمج في الذي يليه في ازدحامٍ مطلق لا تخلو منه نانومتراً مكعباً واحداً. والحرارة هنا ليست هواءً بل ضربٌ متواصل، اهتزازٌ خفيٌّ يشمل كل سطحٍ حولك، توترٌ محبوسٌ في لحظةٍ مجمّدة تشعر فيها بأن هذا الكون البالغ الصغر يتنفس ضدّك في كل اتجاه.

Other languages